محمد بن زكريا الرازي

7

الحاوي في الطب

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم كتاب صيدلة الطب قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي : المعرفة بالأدوية وتمييزها جيدها ورديها وخالصها ومغشوشها وإن كان ليس بلازم للطبيب ضرورة كما يحسبه جهال الناس فهو أحرى وأزين بها ، ولذلك رأيت أن أجمع هذا الفن ، وإن لم يكن جزءا من الطب ضروريا ، في كتاب يخصه ، ليعرف ويجتمع الذي خصصها كل واحد منها بكتاب . وإن ذهب عليّ ذاهب يعدّ هذا جزءا من أجزاء الطب الخاصة كالمعرفة بما تؤثره الأدوية في أبدان الناس والمعرفة بأسباب الأمراض ودلائلها ولم يعدّها صناعة خادمة للطب كحال الصناعات التي يخدم بعضها بعضا ، فسيضطر إلى أن يعدّ صناعات كثيرة أجزاء الطب ، يحتاج إلى بعضها كما يحتاج إلى عناية الصيدلة ؛ إذ كان كثيرا مما يحتاج إليه من الأدوية أفاويه طيبة ، وكثير منها ثمار وأعسال وأدهان ويحتاج إلى بعضها ، فيتخذ الآلة والأداة التي يعالج بها ، كالمباضع والمناط والأميال والصنانير والمقاريض والمحاقن والمحاجم للأعناق وغير ذلك مما يطول الكلام به . وليس ينبغي أن يعد شيء من هذه جزءا خاصا من الطب بل صناعة خادمة له كخدمة الصناعة بعضها لبعض ، ولا يجوز أيضا أن يسمى أعرف الناس بأنواع الأدوية وأشكالها وألوانها وخالصها ومغشوشها طبيبا ، بل إنما يسمى الطبيب من عرف أفاعيل هذه في أبدان الناس ، ومن إذا أتي بدواء ما لم يره قبل وقته ذلك قط ولا سمع له بذكر ولا باسم قدر أن يعرفه من امتحانه إياه جميع أفاعيله الظاهرة ؛ وإنما شرطنا الظاهرة لأن للأدوية أفاعيل باطنة ؛ وهي التي تسمى الخواص ، ولا يبلغ الطبيب استخراجها ، كجذب المغنيطس للحديد ، وإمساكه عن جذبه إياه ذلك بالثوم ، ورجع الفعل عليه إذا غسل بالخل ، أو كهرب الحجر المسمى « الباغض للخل » من الخل ؛ وكتحلية المرداسنج للخل إذا طرح فيه ، وتسويده لأبدان الناس إذا وقع في النورة التي يطلون بها ونحو ذلك . وهو إن لم يقدر على استخراج هذه القوى بطريق القانون الطبي فهو أقوى على استخراجها بطريق التجارب إذا كان قويا في الصناعة بالغا لجميع الناس ؛ وليس ينبغي أن يدع الصناعة الخاصة به ويقبل على ما يجده من غير صناعة ، لأنه إن فعل ذلك اضطر على الإقبال على صناعات كثيرة ، إذ الصناعات تخدم بعضها بعضا ، اللهم إلا بالمقدار الذي عرفناه من بابه وذكره ما لا يشغله شغل يتبين ضرورة مما هو أولى به وأخص .